Min menu

Pages

اخر الاخبار

صراع الهوية: العنف والاقتصاد وغياب الحرية في مواجهة الأزمة الإنسانية

 صراع الهوية: العنف والاقتصاد وغياب الحرية في مواجهة الأزمة الإنسانية

د. أبو بكر الصديق على أحمد مهدي


في كتابه المشهور “التنمية حرية”، يحكي أمارتيا سن قائلاً، أنني، وفي ذات يوم من الأيام، عندما كنت في العاشرة من عمري، وكبقية الأطفال كنت ألعب عند وقت الظهيرة في ساحة حديقتنا، في دكا المدينة، عاصمة بنجلاديش في وقتنا الحالي، وفي هذه الأثناء اندفع عبر بوابتنا رجلاً مطعوناً يصرخ في ألم بطريقة تجعلك تتألم لألمه وتتوجع لوجعه، وقد كان ينزف دماً غزيراً، فقد نال طعنة نجلاء بسكين في ظهره.



وقد كانت تلك أيام مليئة بالاضطرابات وبالشغب الطائفي (هندوس ومسلمين)، وكانت قبيل الاستقلال وقبيل تقسيم البلاد والعباد الي هند وباكستان، والي هنود وباكستانيين. وكان اسم المطعون المتألم “قادر ميا”، وهو بالتأكيد كان مسلم من المسلمين، وكان عامل يعمل بأجر يومي، وصاحب الحاجة أرعن، وقد جاء لعمله في منزل بالقرب من منزلنا، مقابل أن ينال أجراً زهيداً للغاية.



ولكن ولسوء حظه وحظ أمثاله، أن طعنه مهووس هندوسي بسكين قاتلة، وهو يسير في طريقه مسالماً في حارتنا، والتي كان غالبية قاطنيها وساكنيها من الهندوس. وقد تكرمت عليه أنا بكوب من الماء أو ببعض ماء، ولكنه لم يشبع من الألم ولم يكف عن الصراخ وعن النواح، طالباً النجدة ومستجدي العون والمساعدة من كبار السن، الساكنين في المنزل أو في بيتنا.



ولم تمر سوى لحظات قليلات حتى حمله أبي الي المشفى ليستشفي. وكان “قادر ميا” مستمراً مسترسلاً في حكايته وفي السرد، حيث قال كيف أن زوجته حذرته مراراً وتكراراً من الذهاب الي حارة تحمل عداوتها للمسلمين عنواناً، خاصةً في مثل هذا الزمن المشحون بالعداوة وبالكراهية.


ولكن لم يكن لقادر ميا خيار الا أن يذهب، فالمضطر يركب الموت، فأسرته في حاجة لشيء قليل يسد رمقها ويطفئ ظمأها. ولكن، وآسفي، فعقوبة افتقاره وافتقاده للحرية الاقتصادية تحولت الي رحيل نهائي من دار الفناء بعد دخوله المستشفى بقليل.



لقد كانت بحق خبرة مدمرة بالنسبة لي ولطفل في مثل عمري آنذاك، حرضتني على التأمل وشجعتني على التفكير، فيما بعد، بأمر هذا العبء المروع الثقيل المترتب على الهويات، التي يتم رسمها وتحديدها في ضوء تفكير أضيق من أضيق أفق، بما في ذلك تلك الهويات التي تنشأ ويتم الاهتمام برعايتها على أساس متخلف من قبل طوائف وجماعات.



ولكنها كشفت لي بشكل أكثر وضوحاً وبصورة مباشرة حقيقة مهمة وبارزة ومحسوسة، وهي أن افتقاد الحرية الاقتصادية، والمتشكلة في صورة فقر مدقع للغاية، قد جعل ويجعل الفرد فريسة سهلة، لعمليات استلاب وعمليات انتهاك لأشكال أخرى من الحريات.


ان هذا الرجل الضحية لم يكن مضطراً للدخول الي حارتنا، سعياً وراء أجر ضعيف في مثل تلك الأوقات العصيبة والخطيرة، لو كانت عائلته تستطيع البقاء بدون هذا الأجر الفقير. ان افتقاد مثل هذه الحرية الاقتصادية من شأنه أن يغذي افتقاد الحرية الاجتماعية تماماً، كما أن افتقاد الحرية الاجتماعية أو السياسية يمكن أن يرسخ وأن يعزز افتقاد الحرية الاقتصادية.



“قادر ميا” الدارفوري


 يحدثنا أسال منزول (2006)، قائلاً، مثل العديد من البلدان الأفريقية، يواجه السودان أنواعاً مختلفة من الصراعات على الموارد والنزاعات المزعجة حول سبل البقاء.


وعادة ما يتم التعبير عن مثل هذه الصراعات في المنافسة الشديدة بين القطاعات المختلفة، والاقتتال القبلي والحرب الأهلية التي استمرت لفترة طويلة ولفترات أطول. وقد أزعجت الصراعات في السودان العديد من المناطق، أي الجنوب ودارفور وكردفان وأجزاء في شرق وفي جنوب شرق البلاد.



وللحصول على فهم واضح للصراعات القائمة على الموارد، من الضروري للغاية التأكيد على حقيقة أن الصراع ظاهرة إنسانية وحقيقة من حقائق الحياة البشرية اليومية.


ومن الضروري، أيضاً، فهم السياق الاجتماعي والاقتصادي الذي تحدث فيه الصراعات. ونظراً لطبيعة الصراع الذي طال أمده على الموارد في السودان، وبسبب فشل الآليات الحديثة وأيضاً التقليدية في حل النزاعات، اتخذ الصراع على الموارد في السودان شكلاً قبيحاً من أشكال وسياسات الهوية التي تمزق البلاد وتقلق العباد وتشتت فكرهم وأفكارهم.



وقد أدى الفشل في معالجة المظالم الناجمة عن ندرة الموارد بشكل مناسب إلى تفاقم الصراع والتحول السلبي للهويات إلى معارضات ثنائية من نوع العرب والأفريقانية أو الزنوج أو الزنج، والمسيحيين من جانب والمسلمين من الجانب الآخر، والشمال والجنوب، وما إلى ذلك.


وتمثل دارفور أفضل حالة من حالات الإهمال وعدم المبالاة وغض الطرف. والصراع الذي طال أمده على الموارد، والذي اتخذ شكلاً من أشكال الصراع حول الهوية، وقاد وأدى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخ السودان وتاريخ البشرية قاطبة.



ويعاني السودان، خلال الخمسة عشر عاماً السالفات وأكثر، من مشاكل حادة، كان لها آثارها السلبية على كافة مناحي الحياة (اقتصادياً، واجتماعياً، وبيئياً). وتتمثل هذه المشاكل في الأمن الغذائي، وفي تفشي المجاعة، والنزوح، وزيادة الفقر، وتدهور الظروف المعيشية، والمشاكل البيئية. والتدهور والجفاف والنمو السكاني السريع والحرب الأهلية والإفراط في استغلال الموارد الطبيعية.



لكن الصراع على الموارد الطبيعية يعتبر هو الأهم على الإطلاق لما له من آثار سلبية مباشرة على أجزاء كثيرة من السودان، خاصة المناطق الريفية حيث تعتمد سبل العيش فيها على الموارد الطبيعية والأرض والمياه بشكل خاص.


تقليدياً، تمثلت الصراعات القائمة على الموارد في السودان في المنافسة القديمة التقليدية بين المزارعين والرعاة على موارد الأراضي والمياه. وكان الصراع على استخدام هذه الموارد هو السمة السائدة في العلاقة بين المزارعين وبين أولئك الرعاة؛ بين المزارعين والمزارعين أنفسهم وبين الرعاة والرعاة ذاتهم.


وبقدر ما يرتبط سبب العديد من الصراعات التي نراها اليوم في السودان بالوصول إلى الموارد واستخدامها، فمن الأهمية بمكان أن يكون لدينا فهم لكيفية التعامل مع الوصول إلى الموارد الطبيعية واستخدامها وإدارتها على المستوى المحلي والمجتمع الاجتماعي أو الهياكل الاجتماعية التي تم تضمينها فيها.


وبما أن الصراعات هي أيضاً نتاج للهويات العرقية والقبلية، والاختلافات الثقافية المتجذرة في المجتمعات المتنوعة والمختلفة (Assal et al, 2004; Manger, 2005)، فبمجرد اندلاع الصراعات، فإنها تميل إلى تفسيرها أيضاً بمصطلحات قبلية وأخرى إثنية ويمكن أيضاً ربطها بأنواع أخرى من الصراعات، مما يؤدي إلى حالات التصعيد. ومن ثم، لا بد من التعامل مع تحول الصراعات على الموارد الطبيعية إلى صراعات على الهوية. إن فهم الصراعات القائمة على الموارد في السودان يتطلب أيضاً إيلاء المزيد من الاهتمام للدولة والإطار المؤسسي الذي تدور فيه الصراعات.


وتشمل الصراعات القائمة على الموارد أنواعاً مختلفة من الصراعات التي تتجاوز مجموعة متنوعة من الحدود (العرقية والإقليمية والوطنية). وبالتالي تمثل هذه الصراعات ظواهر معقدة تتغير حدودها وتمتد إلى ما هو أبعد من مناطق محددة. ولكن ولأغراض التبسيط والوضوح، سنركز في هذا القسم على النزاعات بين المزارعين والرعاة، والمشاكل المتعلقة بالملكية والوصول إلى الأراضي.


تاريخياً، نشأت الصراعات بين الشعوب المستقرة والبدو (والبدو دائماً من الفئات غير المستقرة) بسبب التنافس على مناطق الرعي واستخدام الأراضي واستغلالها. وتتسبب حركات هجرة البدو خلال موسم الأمطار في إتلاف المحاصيل وتؤدي في النهاية إلى صراعات مفتوحة بين المزارعين والرعاة.


وتعتمد شدة هذه الصراعات، من بين أمور أخرى، على مدى الضرر الذي يلحق بالمحاصيل. وحيثما لا يكون الأمر يتعلق بالقتل، فمن الممكن احتواء مثل هذه الصراعات، وعادة لا تؤدي إلى مواجهات واسعة النطاق بين البدو والسكان المستقرين.


وقد أدى التوسع في مشاريع الزراعة الآلية في جنوب كردفان وشرق السودان وجبال النوبة إلى إغلاق طرق الهجرة التقليدية التي يستخدمها البدو أثناء تنقلاتهم بين المراعي الشمالية وتلك الجنوبية. علاوة على ذلك، فإن ميل البدو إلى تجميع معدلات مخزونهم يضع ضغطاً على موارد المراعي الطبيعية، وفي هذه الظروف، يمكن للقطعان التي لا تحظى بالعناية الجيدة أن تلحق الضرر بالمحاصيل بسهولة (هالاند، 1990). كما يعد الوصول إلى الموارد المائية خلال موسم الجفاف أحد العوامل المسببة للصراعات.


وتعد مسألة ملكية الأراضي أو تخصيصها عاملاً رئيسياً آخر للصراعات، ولم يتم التعامل معها بوضوح من قبل الحكومات الوطنية اللاحقة بعد الاستقلال في عام 1956م.


ففي دارفور، على سبيل المثال، يوجد نظام للملكية الحرة يُعرف باسم الحاكورة (المعنى الحرفي للكلمة: السياج)، وهي قطعة أرض يمنحها سلاطين الفور لأتباعهم المخلصين (عادة مجموعة قبلية) والتي يحصل حامل اللقب عليها على حق الملكية. وهو سند ملكي مكتوب ومختوم يدل على الملكية الدائمة. وعلى الرغم من احتلال البريطانيين لسلطنة الفور وإخضاعها في 1916م، إلا أن هذه الصكوك لا تزال بمثابة وثائق قانونية مقبولة اجتماعياً وأمام المحكمة مقبولة ويعمل بها.


وملكية الحاكورة تعني أن المالك لديه حق حصري على قطعة معينة من الأرض، سواء كان يستخدمها بالفعل أم لا يستعملها. ويشير هذا الشرط أيضاً إلى أنه يمكن للمالك رفض الوصول إلى أي شخص إذا اختار ذلك. ومن ثم هناك تناقض بين نظام ملكية الأرض واحتياجات المستخدمين المختلفين.


وما فعلته بريطانيا، والحكومات الوطنية اللاحقة أيضاً، بشأن هذا الوضع كان بشكل أو بآخر إضفاء الطابع الرسمي على هذه الألقاب؛ بدرجات متفاوتة، لكنها لم تغير الوضع الراهن بشكل جذري. وكان قانون الأراضي لعام 1970م، المذكور أعلاه، استثناءً. ولكن، في الواقع وواقعياً، لم تفعل هذه الحكومات سوى القليل لتغيير الوضع السائد.


كما أن تعيين دار معينة لقبيلة أو لمجموعة عرقية (أوطان تقليدية) يتناقض أيضاً مع الأنماط البدوية لاستخدام الأراضي واستغلالها. وتجدر الإشارة إلى أن توزيع المجموعات العرقية لا يتم التحكم فيه من خلال مناطق طبيعية موضوعية وثابتة، ولكن من خلال توزيع المنافذ البيئية المحددة التي تستطيع المجموعة، بتنظيمها الاقتصادي والسياسي الخاص، استغلالها.


ومن الناحية النظرية، كل مجموعة عرقية أو قبيلة في السودان لها وطنها أو لها دارها الخاصة، لكن المجموعات العرقية عملياً لا تتوافق مع نقاط ثابتة أو جوهرية في الخريطة. وتمثل المجموعات البدوية حالة يكون فيها تثبيت مجموعة في مكان معين بمثابة وصفة للصراع. ويشكل هذا الانفصال العملي بين المجموعات العرقية والأرض عاملاً مهماً في الصراع، حيث أن ملاك الأراضي يعتبرون البدو دخلاء أو متسللين.


دور الدولة وصراع الهوية


إن اشتداد الصراعات على الموارد في أنظمة الإنتاج التقليدية ليس في الواقع ظاهرة معزولة. إنها تسير جنباً إلى جنب مع أنواع أخرى من الصراعات ذات الطبيعة الكلية، والتي استمرت لفترة طويلة. وقد ساهمت التغييرات المتكررة في السياسات الاقتصادية منذ السبعينيات من عمر القرن السابق في تصعيد الصراعات على الموارد في البلاد السودانية الممزقة.


لكن تفضيل القطاع الزراعي الحديث على أنظمة الإنتاج التقليدية كان أحد أوجه القصور الرئيسية في السياسات. على الرغم من أن المناطق في شرق السودان أصبحت بمثابة منجم تجاري لنخبة التجار الذين حصلوا على مشاريع زراعية كبيرة، إلا أن المزارعين والرعاة يواجهون مشكلة تناقص الأراضي باستمرار.


وعلى الرغم من أن المشاريع المروية مملوكة للدولة، إلا أن المشاريع المميكنة أو الآلية هي مشاريع خاصة مملوكة لأفراد يحصلون على امتيازات (قروض بشروط سداد ميسرة، ومدخلات زراعية، وضرائب منخفضة، وما إلى ذلك).


 وكان أن أدت سياسات الائتمان السهلة إلى توسع مترامي الأطراف في المشاريع الزراعية الآلية، وبحلول نهاية الثمانينيات، أفادت التقارير أن المناطق غير المخططة التي تم تخصيصها للزراعة الآلية كانت أكبر بكثير مما سمحت به الحكومة.


وهذا القطاع، بالإضافة إلى التعدي على الأراضي التي يستخدمها المزارعون والرعاة، أيضاً يستنزف القطاع التقليدي من قوته البشرية. وبخسارة أراضيهم أمام هذه المشاريع المتوسعة، ينتهي الأمر بالمنتجين الريفيين كعمال مأجورين في هذه المشاريع أو كطبقة حضرية فقيرة.


ومنذ بدايات عقد التسعينيات من القرن المنصرم وما بعدها، تخلت الحكومة عن مركزية الدولة واختارت سياسات أو سياسة الخصخصة، حيث فُتح الباب أمام المستثمرين الأجانب في قطاعات الزراعة والنفط والتجارة، وأصبح الأجانب هم المفضلون لدي الحكومة.


ومرة أخرى، مثل سياسات عقدي الستينيات والسبعينيات التي فضلت الأغنياء والأثرياء، فإن سياسات الخصخصة لا تفيد صغار المنتجين وهم لا ينتفعون منها، ويشعر العديد من المجموعات التي تأثرت سبل عيشها بهذه السياسات بالتهميش.


في السودان، غالباً ما تكون مشاعر التهميش والمشاعر الإقليمية مغلفة بطيات وأحاسيس ومشاعر عرقية، وهو الأمر الذي يؤدي إلى الاستقطاب في البلاد ويعمل على تمزيقها وعلى هتك بكارة وحدتها.


إن الاختلافات بين المناطق، سواء من حيث الموارد أو التنمية، أصبحت الأساس لأعضاء النخبة الساخطين للتعبير عن ضغائنهم وأحقادهم ومصالحهم الخاصة. وهذا يؤدي إلى الوعي بالهوية وبوهم الهوية، الذي من المرجح أن يشكل مستقبل البلاد، وما هو المستقبل؟ وأين هو المستقبل؟ ومع التغير في ملامح الصراعات القائمة على الموارد، فإن عملية التنشيط العرقي والقبلي جارية في السودان على قدم وساق، ولا يوجد رجل رشيد!


إن العرقية، وهي التنظيم الاجتماعي للاختلاف الثقافي (بارث، 1969)، تتصاعد بطريقة مثيرة للقلق في السودان. لقد تغيرت الديناميكيات السلمية للهوية العرقية وعمليات صيانة الحدود (هالاند، 1969؛ عبد الجليل، 1985).


إن ما نشهده في الوقت الحاضر هو نسخة عنيفة من سياسات الهوية واختلافاتها وعداءاتها، والتي نتجت عن الصراع على الموارد، ولكنها تشكل أيضاً عاملاً أساسياً في تصعيد مثل هذه الصراعات المتخلفة غير المبررة ولكنها مبررة.


وهم الهوية الفريدة


ان لغة العنف الطائفي أو أي نوع من أشكال العنف بسبب الهوية في كل بقعة من بقاع العالم لا يقل بشاعة، ولا يقل فجاجة، ولا يقل اختزالية، عما كان كائن منذ قبل ستين سنة. فخلف دعم الوحشية المجرمة والفظة، يوجد هناك اضطراب مفاهيمي حول هويات البشر، يحول الناس ذات الأبعاد المتعددة الي مخلوقات أحادية البُعد.


والفرد الذي اُستقطب وتم تجنيده لكي يلحق برعاع الهوتو المجرمين في 1994م، هو نفسه كان يسأل، ولو ضمنياً، أليس هو رواندي؟ ألا ينظر لنفسه كرواندي أو كأفريقي زنجي أسود البشرة، أو فقط كانسان، “وهي هويات يشترك فيها هذا الهوتو مع ذاك التوتسي المستهدفين”.


ولكن، على هذا الهوتو وعلى عاتقه واجب حتمي وهو أن “يعطي التوتسي ما يستحقون”. وكان هناك باكستاني صديق لأمارتيا سن وهو شهريار خان، ديبلوماسي رفيع المستوي، تم ارساله من قبل الأمين العام للأمم المتحدة الي رواندا بعد الفجيعة الكبرى والمذبحة العظمي، وقد قال فيما بعد مخاطباً صديقه: ((أنت وأنا رأينا بشاعة الشغب في الهند في عقد الأربعينات من القرن الماضي. لكن لم يكن هناك اطلاقاً ما يؤهلني لرؤية ما رأيت من الحجم المهول من القتل الذي شهدته رواندا، ولفهم المدى العظيم لاتساع جريمة الإبادة العرقية المنظمة هناك في هذا البلد الأفريقي)).


ان جريمة رواندا -كل الأسماء البشعة لا تعكس معنى ما حدث كما حدث-، وما يرتبط بها من البشاعة ومن العنف بين هؤلاء وأولئك، أي بين الهوتو والتوتسي في بوروندي المجاورة، سلبا أكثر من مليون نفس من جسد انسان خلال فترة وجيزة جداً، يا للفظاعة!


لا والله، ان كراهية الناس مسألة صعبة وليست سهلة ولا هي بالهينة، وقد جاءت أشعار أوغدن ناش (دعاء من أجل حقد اقل تجاه لا أحد)، معبرة وايما تعبير عن ذلك وعما حدث بشكل صحيح جداً:


أي طفل في مدرسة يمكن أن يحب بسذاجة بالغة،


لكن الكراهية يا بني “فن وحرفة”


ان كنا نتقابل مع كميات هائلة من الكراهية ومن الصراع العنيف بين جماعات متباينة من البشر، فان السؤال الملح هنا، والذي يفرض ذاته سريعاً يكون هو “كيف يؤدي هذا الفن فعله؟”.


والاجابة عما سلف تقول بأن وهم الهوية الأحادية أو المنفردة هو الذي يعمل على خدمة غايات العنف وأغراضه لأولئك الذين يخططون وأولئك الذين يدبرون تلك الفظاعات من المواجهات. وهذا “الوهم” يُنثر ويُزرع ويتم رعايته بإتقان وبمهارة من قبل زعماء الجرائم والمذابح والكراهية.


وطبيعياً أن يكون مثل هذا التوليد لوهم الهوية الفريدة، يمتلك قابلية الاستغلال لأهداف ولأغراض المواجهة، ومواجهات الموت. ولا غرابة في أن أثارة العنف يعجب هؤلاء الذين هم قائمين على أمره، والذين هم مستفيدون منه. ولا يوجد أي شكل من أشكال الألغاز في أن هناك اجتهاد، وأن هناك سعى جاد الي مثل هكذا “الاختزالية”.


ولكن، هناك سؤال عظيم يسال عن “لماذا تنجح هذه التنمية الفردية الأحادية كل هذا النجاح المنقطع النظير؟” على الرغم من السذاجة العظيمة التي تحف وتحيط بهذه الفرضية في وجود يحتوي كم هائل من الهويات المتعددة بشكل واضح جداً وظاهر.


ان رؤية انسان فرد -حصرياً- على أساس هوية واحدة من هوياته الكثيرة المتعددة، لهو، بلا ريب، حركة فكرية شديدة الفجاجة. ومع ذلك، إذا شكلنا حكمنا استناداً على تأثيرها العميق القوي، فلا محالة سنجد أن “وهم الانفرادية”، له كاريزما وجاذبية خطيرة، من السهل أن يجتذب نحوه أنصاره ومؤيديه.


فالدفاع عن هوية مميزة وفريدة لغرض وحشي عنيف يأخذ طابع فصل هوية جمعية وحيدة، -ترتبط بشكل مباشر بغرض العنف المطلوب، في سبيل وضعها في بؤرة لها خاصيتها، تتطور وتتقدم من هذه البؤرة الي التغبيش والتعتيم على قيمة وأهمية العلاقات والارتباطات والانتماءات الأخرى من خلال تعزيز وحث انتقائيين، ((كيف يمكنك أن تتكلم عن هذه الأشياء الأخرى بينما أهلنا يُقتلون ونساؤنا يُغتصبن)).


يعتمد الفن القتالي لتعزيز العنف وللحث على العنف على عدد من الغرائز الرئيسية، والتي يتم استعمالها من أجل الضغط على حرية التفكير وعلى إمكانية التأمل والتخيل الهادئ الرزين. ولكن علينا أيضاً أن نقر بأنها تحتاج لنوع من المنطق، ولكنه منطق هش، ان الهوية المحددة أو المعينة التي تصاغ من أجل نشاط محدد، في أغلب الحالات، هي هوية أصيلة لذلك الانسان الذي يرغبون في استقطابه وفي تجنيده.


فالهوتو هو فعلاً من الهوتو وينتمي إليهم، وبالتأكيد نمر التاميل هو من التاميل، وذلك الألماني المسيحي الذي أصاب عقله جرثومة فلسفة النازي، هو بلا أدنى شك، ألماني مسيحي. ان الذي حدث لقلب هذا الحس بادراك الذات وفهمها الي سلاح قاتل هو:


تغافل أهمية وقيمة الانتماءات والارتباطات الأخرى،

العمل على إعادة مطالب الهوية الفريدة أو الوحيدة، ووضعها في قالب عنيف بشكل خاص.

اذن، هل لهذا الوهم الانفرادي أي عواقب؟ نقول اجابةً عن هذا السؤال: يحمل التصغير الانفرادي للهوية الإنسانية، أي اختزال الهوية الإنسانية، في جعبته العديد من العواقب بعيدة التأثير ولها آثار عميقة جداً. فالوهم الذي يتم استجلابه وتحضيره بهدف تقسيم وتشرذم الناس الي أكوام تصنيفية جامدة القوالب متفردة، من السهل استخدامه واستغلاله لصب الزيت في ماعون اثارة النزاع والصراعات بين المجموعات والجماعات.


ونضرب مثالاً مهماً هنا، ونقول، إذا اجتمعت نظريات الاختزال او الاقتصار على الهوية الإسلامية، مع اهمال واغفال باقي الهويات العديدة الأخرى التي يتمتع بها المسلمون -اضافةً لانتمائهم الديني-، يمكن استغلالها لتزويد الأساس المفهومي لصيغة وحشية عنيفة من الجهاد، -ويعتبر هذا المفهوم عبارة عن مصطلح مرن من الإمكان فهمه كحث على العنف والبطش، وممكن أيضاً ان يفهم على أنه جهاد سلمي-. والحل ممكن أن يتبلور في صيغة تعمل على استحضار ثراء الهويات المتعددة للإنسان وعدم الاكتفاء بهويته الدينية فقط.


وكما قلنا آنفاً، لقد مات “قادر ميا”، ضحية، لماذا؟ لأنه مسلم لا أكثر ولا أقل، ولكنه أيضاً غادر الي الدار الآخرة لأنه فقير، فهو عامل بلا عمل ينقب ويبحث عن وظيفة، يائساً بائساً، ومناه كل المني هو الحصول على قليل القليل من المال ليستر أسرته وليفرح أطفاله في أوقات الشدة، وكل أوقاتهم شدة، وشديدة الصعوبة.


ان الانسان الأكثر فقراً في أي مجتمع، هو الأسهل موتاً وتعرضاً للقتل وللاغتيال في أي مشاغبات تحدث، لأنه مضطر للخروج من داره، وأي دار، بلا حماية ولا يوجد هناك من يدافع عنه أو من يحميه، بحثاً عن لقمة يسد بها رمقه ورمق عياله.


وفي الاضطرابات بين المسلمين والهندوس، قتل السفاحون الهندوسيون الفقراء المسلمين المستضعفين في الأرض، بكل يسر وبكل سهولة وبدم بارد. وبالمقابل ذبح السفاحون المسلمون الفقراء الهندوس من دون رأفة ولا أدنى اهتمام ولم يطرف لهم جفن.


والمقاربة هنا تحتار، فبالرغم من أن الهويات الاجتماعية لهاتين الفريقين من الفرائس المتوحشة كانتا مختلفتين تماماً، ولكن، كانت هوياتهم الطبقية كعمال فقراء لا يملكون وسائل اقتصادية ولا يتمتعون ولو بأقل القليل، كانت متشابه ومتماثلة تماماً لدرجة الدهشة.


ولكن لم يكن هناك أي هوية أخرى غير هذه العرقية الدينية أتيح لها أو أعُطيت لها أي قيمة أو أي أهمية في ذلك الزمان، الذي طغت فيه وسادت فيه النظرة الاستقطابية المركزة على تصنيف انفرادي وهمي. انه وهم الواقع الصدامي المتفرد الذي اختزل الكائنات البشرية تماماً، وحرم الأبطال من نعمة حرية التفكير.


لقد أشار الامبراطور الهندي جلال الدين أكبر الي القضية الرئيسية، منذ زمان بعيد بشفافية عظيمة، وذلك في ملاحظاته حول العقل والدين في الأعوام 1590م. لقد كان جلال الدين، المغولي الكبير، مسلماً ورحل عن دار الفناء وهو مسلم، ولكنه ألح على أن الدين لا يمكن أن يحظى بالأولوية على العقل، لأن الانسان عليه أن يقبل أو عليه أن يرفض عند الضرورة، دينه الموروث من خلال العقل أو عن طريقه.


وعندما وجد المعارضة والهجوم من قبل التقليديين، الذين انحازوا لمصلحة الدين الغريزي، قام “أكبر” وقال لصديقه وقائده العسكري الذي كان محل ثقته، “أبا الفضل” (الذي كان دارساً مهولاً في السنسكريتية، وايضاً الفارسية والعربية، وكانت له العديد من الخبرة بالديانات المتباينة، ومن بينها الإسلام والهندوسية):

((ان سعي العقل ورفض التقليدية واضح وضوحاً يجعله فوق الحاجة الي الجدل. فاذا كانت التقليدية ملائمة، لما كان أمام الأنبياء الا اتباع السابقين (ولما أتوا برسالات جديدة))).


(يتبع)

أنت الآن في المقالة الأولى

Comments