Min menu

Pages

اخر الاخبار

خليل الفرح في دارفوز - 3

 



خليل الفرح في دار فوز - 3

رحل عنا إلى دار الخلود في سنة 1932م، ولم يكن هذا العملاق فناناً بالمعنى الذي يفهمه الناس الآن في حاضرنا، أي لم يكن مغنياً وسمي عنوة “فناناً”، ولكنه كان أوسع بكثير من هذا المفهوم الضيق. لأنه كان أديباً أريباً، شاعراً بعيد الخيال وواقعي الكلمات، وكان بطلاً قومياً ووطنياً تشهد له حروفه وألحانه وموسيقاه ومواقفه كسوداني عادي، دون ألقاب ولا كنيات.



وهبه الله صوتاً غريباً ليس كسائر الأصوات، وامتلك ذوقاً خاصاً ورفيعاً، فقد كان يرسم خياله شعراً واقعياً، وينثره في قوالب لحنية، وكأنها تأتينا من عوالم روحانية، وترفعنا إلى طيات السماوات. وما أحسن “كيناته” وما أطيب أداءه. كان أداءه يهديه لذاته أولاً، فيتفاعل مع لحنه كأنه ليس بلحنه، ويطرب لأدائه كأنه ليس بأدائه، ثم يطرحه لأصدقائه كهدية نادرة؛ فالذات إلى الذات تتوق وتنجذب وتروي ظمأها.



ولو لم يكن قد قام بتعبئة بعض الأسطوانات، واحدة كانت مملوءة بـ”عزة في هواك”، وأخرى بـ”عبدة”، لغاب في طيات النسيان، ولما سمع عنه وعن فنه أحد. لقد وضع الخليل نفسه في مساحة خاصة، فيها القليل من أصحابه، لكنهم كانوا من المتذوقين للأدب العالي وللفن الرفيع.


ويحمل خليل الفرح شبه المرحوم البكباشي تميم، الذي كان يحيا للموسيقى ويرتحل بها، وكان كل معارفه هو “عوده”، رفيقه الدائم إلى أي مكان يقصد، وفي أي مكان يكون؛ فكان لا يتصل بإنسان ولا يعرف أحداً سوى هذا العود العبقري، الذي كان جزءاً من أحضانه، وبينهما مناجاة صباحية وأخرى مسائية، ومنه يستمد غذاءه الروحي.



وبين “تميم” و”الفرح” قواسم مشتركة، كلها رقيقة، كلها حنين؛ والموسيقى كانت لهما زفير الحياة وشهيقها.


وعندما سمعنا بوفاته، جاءنا الفكر بإقامة حفل تأبين للفقيد الخالد الفنان، تكريماً لذكراه واعترافاً بفنه، وكونه فناناً وأديباً قل أن تجود به الأزمنة كلها. حفلاً يكون بمثابة إقرار واعتراف بفضله الجميل على فننا وعلى أدبنا وعلى موسيقانا. ولكن الغرابة التصقت بهذه الفكرة لدرجة الاندهاش.



يقول خضر حمد مفسراً “الغرابة”، التي ذكرت في الفقرة السابقة، قائلاً:

… في يوم من الأيام، كنت خارجاً من مكتبي، بصورة مؤقتة، في المالية، زائراً المكتب المجاور الذي تملأه حضور العزيز محمود إبراهيم، وفي هذه الأثناء كنت أترنم ببيت جميل من أشعار خليل الفرح، وقلت للأخ محمود، إن الخليل مريض، ولا يعرف الإنسان متى يزور جسده الشفاء، والكثيرون يترقبون رحيله الأبدي إلى دار الخلود. ألا تعتقد، كما أعتقد أنا، في أن يكون تكريمه حقيقياً في حياته وليس بعد فراقه للفانية، ليحس ويعرف إلى أي مدى يحبه هذا الوطن ويقدّره؟



ولم ينتظر محمود كثيراً، فأيد فكرتي قبل أن يسمعها. وكان اتفاقنا، واتفقنا على أن ندعو الآن، وفي اللحظة، أنا في أم درمان، وهو في الخرطوم. وأصرينا وصممنا، تصميماً فولاذياً، على إنجاز المهمة وتحقيق حلم الفكرة.


لقد كان الزمان بين الثانية عشرة والواحدة، وكان هذا هو نفسه الأجل المضروب لفراق الخليل ورحيله الأبدي. وعندما طلعنا من مكاتبنا، غازل مسامعنا، وبينما أنا أستقل الترام (قطار محلي)، خبراً مؤلماً مفاده أن “خليل فرح” غادر الفانية إلى الخالدة. وعجبت لهذه المصادفة (الساعة الثانية عشرة أو هذه المصادفات).



وعندما عدنا في اليوم التالي إلى مكاتبنا، والتقينا، كان كل منا أشد دهشة من أخيه. وانقلب الفكر والتفكير من احتفال تكريم إلى حفل تأبين. وقمنا بدعوة السادة خليل بتيك، والبارون، وعرفات، ومكاوي يعقوب، وتشكلت لجنة التأبين.


وأقيم حفل أنيق ضخم يليق بأديبنا، وبشاعرنا، وبفناننا الوطني الكبير. وتبارى فيه الخطباء والشعراء بإلقاء الخطب والأشعار؛ وقد مثل شعراء الأغاني الشاعر الجمال حدباي، الذي أنشد قصيدته بصوت حزين مكلوم أبكى الحاضرين، ومنهم من أجهش بالبكاء. وتم طباعة هذه الكلمات، وصدرت في كتيب تخليداً لذكرى خليل الفرح.



لقد كانت الحياة تسير بهدوئها في أحيان، وتكون صافية حيناً، وأحياناً مضطربة، إلى أن تفجرت الكارثة العظمى بإعلان إصابة الخليل بداء الرئة بدون مقدمات؛ هكذا كان يعزي نفسه “حسن نجيله”، ويناجيه في سفره “ملامح من المجتمع السوداني”. لكنه كان جبلاً لا تهزه ريح، وتلقى خبر مرضه بكل شجاعة معهودة فيه؛ ولملم أطرافه، ووجه وجهته إلى مصر طلباً للراحة والعلاج.


ومن جانبنا تدافعنا في دار “فوز” لإقامة ليلة وداع. وقد نجحنا في ذلك، وكان وداعاً باكياً. لكن شجاعته شجعتنا، فانقلب بكاؤنا ضحكات وقفشات، وامتلأت قلوبنا بالمرح، وبهجة ممزوجة بشجنٍ مرٍّ حار.


وقبيل أن يجن الليل، أمسك الخليل الفرح بحبيبته “العود”، وأودع فينا نظرة حانية كلها معانٍ، ثم قال:

“أما آن الآن لكي أسمعكم أغنية الوداع؟”

وأردف قائلاً: “كنت قد شرعت في تنظيم بعض أبياتها، عسى ولعلي أن أنجزها وهي تامة في القاهرة”.

أرهفنا أسماعنا، وبدأ هو في الدندنة كما كانت عادته، مع نقرشات العود ونغماته…


ما هو   عارف   قدمو المفارق               يا    محط     آمالي     السلام


ثم أخذ التفاته الي “فوز” والي المرافقين من الرفاق، ويغني:


يا   جميل   يا   نور   الشقايق               أملأ   كأسك وأصبر   دقائق


مجلسك مفهوم شوفو رايق                               عقده ناقص زول ولا تام؟!


ماذا كان هذا من معنى؟ أتراه كان ينعى حاله في تلك السهرة؟ أم تراه يتساءل تساؤل الملتاع الحائر، فيتفوه: أيها الجميل الفاتن، املأ كأسك، ولكن لا تدن منها! كن صبوراً وأصبر قليلاً ولا تنسى تتفقد رفاقنا، هل ما زال عقدهم مكتملاً أم انزلقت بلورة منهم وخلا مكانها، فنقص ذلك العقد واحداً؟!


وكان وداعنا للفرح فجراً، وكان فينا وفي كل منا غصة ولوعة ودمعة مُرة.. وغادرنا هو الي القاهرة ينشد ويرجى الشفاء، ولكن، لا شفاء، فقد سيطر الداء العنيد على صدره، وكان وبيلاً وغير نبيل، وأحس الخليل وشعر بقرب أجله ودنوه، ولكنه أفلح هناك، بعيداً في الشمال في اكمال قصيدة الوداع “ما هو عارف قدمو المفارق”، الغنية بتلك الصور الوجدانية الرائعة ذات المعاني المعبرة لهذا الغريب الملتاع وهو في حالة ترقب لطائرة البريد بين القطرين، السوداني والمصري، فيذكر وطنه ويحزن لحاله..


يا   بريد     الجو    فوق      حالق          ميل   على الروح ليها   خالق


قل لي كيف أمسيت وأنت عالق          مقرن   البحرين   كيلو كام؟


لقد كان يسال؟ وكان يتساءل، وكان يذرف الدمع الخجول، وكان هو العارف.. أي مدى بعيد بينه وبين ذاك المقرن، مقرن النيلين، مقرن القلوب، هناك في العاصمة، والتي بفضل هذا الالتقاء والملتقي أصبحت هي العاصمة المثلثة، حيث ملاهي اللهو هناك ومشارفه وملتقى الأحبة وعناقهم، ولا يسهى من أن يطوف في أغنيته ربوع بلاده الي أن يقف خاشعاً خشوع المتبتلين ومتصوفي الوطنية عند مراقد البطل الامام محمد أحمد المهدي وضريحه، فيستنشق منه عبيراً وأريجاً عطراً، وهو بعيد لم يقترب أكثر..


في يمين   النيل   حيث   سابق              كنا   فرق اعراف   السوابق


في الضريح الفاح طيبه عابق                               السلام     يا المهدي     الأمام


ويصر عليه رفقاءه وأصحابه هناك في القاهرة على أن يقوم بتسجيل أغنياته في “أسطوانات”، وتأبى عليه نفسه الكريمة الأبية أن تصير شرهة دنيئة، فاكتفي بتسجيل فقط أغنيتين من أغنياته الكثيرات، الأولى كانت قصيدة لعمر بن أبي ربيعة، التي برع في تلحينها وفي توقيعها، وكان في مطلعها هذا البيت..


أعبدة ما ينسى مودتك القلب             ولا هو يسلبه رخاء ولا كرب


وذلك لأنها اقترنت بذاته واقترنت بتلك الذكريات الحبيبة مع رفاقه في تلك الدار الجميلة “دار فوز”، عندما أنشدهم إياها لأول مرة في حياته القصيرة الخالدة، وكان فيها وكأنه ابن سُريج مغني الحجاز بُعث، من أول وجديد، ليخلب الألباب ويحتل القلوب بغنائه لشعر بن أبي ربيعة.


أما الأغنية الثانية، فكانت “عزه في هواك”، والتي أرضى فيها أحاسيسه ومشاعرة الوطنية الملتهبة. وهي الأغنية التي تغنى فيها بوطنه ولوطنه، وتعتبر هي من اشعاره الخالدة الحية، التي تتصدر كل الصدور وتحتل كل القلوب الوطنية. ونجح الخليل في هذه الأغنية، ايما نجاح، حيث عصر نفسه عصراً وسكبها وهي ذائبه في تلك الآهات المحروقات والتي نفثها من أعماق أعماقه في خواتيم هذه الأغنية الذهبية، والتي كانت بمثابة رسالة النهاية المحتومة، مُرسلة لكل من له إحساس ليفهمها.


وعند عودته الي بلاده، لم يعافيه المرض ولكنه تمادى في تعديه عليه، فأنشب مخالبه وأطلق الحرية لأظفاره فأوغرت صدره، وهو يحاربها بشجاعة وبعزيمة وبصدق ايمان، ولكن العلة كانت هي الأقوى فصرعته قبل أن يصرعها، وهو يرقد في مستشفى النهر بالخرطوم.


وكان يوماً مشهوداً في الحزن، وكان يوماً غريقاً في بحور الدموع. وعلى أعناقها حملته الجموع الزاخرة الحزينة الباكية الي بيته تحت الأرض، وكان له في قلب كل من عرفه وأحبه مأتم خاص، وعلى وجه الخصوص، أولئك الذي استمتعوا بفنه وبفنونه الراقية ورافقوه، وهؤلاء لم يكونوا قليلين لنحصيهم.


وفي قلب نادي الخريجين بأم درمان، تنافس المتنافسون في تأبينه، وتبارى المتبارون في رثائه، واكتظ النادي بالأدباء وبالشعراء وامتلأ على بكرة أبيه، وكان غرضهم تكريم الفن السوداني والافتخار بالوطنية في شخص هذا المبدع الفنان الفريد.


ويقف الأستاذ عرفات محمد عبد الله، وهو صديقه وصفيه ومن رفقائه في الكفاح، فقد كان الخليل من شباب 1924، حيث سخر أدبه وفنه واغنياته للحركة الوطنية، وجعل منها ترانيم وكنية للحركة الوطنية، فشذا بها الحداة وغنتها الجماهير في كل الأرجاء وكل الأنحاء، ولم يبخل عرفات بالبكاء فبكاه، وتكلم عنه كلاماً جميلاً حقيقياً لامس القلوب وأسال العبرات دمعات، وتدافع الشعراء واحد خلف الآخر، واحتشد الخطباء، خطيب بعد خطيب، ومنهم كان الأستاذ إسماعيل العتباني (صاحب الرأي العام). وكانت للأستاذ محمد أحمد المحجوب، رئيس وزراء السودان الأسبق، جولة وأي جولة، فرثاه بقصيدة كانت بدايتها، هكذا…


حل       في الرمس   خليل    واستتر                      شاعر        فذ          وفنان          أغر


وجاء فيها…


ملك      الحب       عليه          قلبه                        ليس     في   الحب       هوان   أو   ضرر


علم    الناس    حجاهم        قبلنا                        ان           في      الحب     حياة        للبشر


فعظيم      من       يناجي         ربه                         في جمال   الخلق أو    حسن      الزهر


ويرى    الكون    جمالا         باهرا                          صنع         جبار      إذا      شاء         قدر


لو       نظرنا        لخليل       برهة                          لوجدناه                 عظيماً             مستتر


كان   في   الحب   صبوراً   صادقاً                         فهو               بالحب      تغنى       واشتهر


كم       تغنى      بفتاة     واحتسى                         في كؤوس الحب ما   يطفى        الشرر


وتفانى         في     هواها        زمناً                           يرصد الأشباح   منخلف        الحجر!


قد     أحب    الكون    في    ذروته                          وأتانا                     بالجميل           المبتكر


وارانا   في      (ضواحيه)       هوى                         وفنوناً         من        غرام          وذكر


وأرانا       نفس     حر        فاضل                          يوم      غنى      (عزة)    تم           انفجر!


بك      يا عزة     أعني        موطني                         ففداك    النفس   من    ويل         وشر


بعث   الأقوام   من         رقدتهم                          فتسامى            للمعالي       من        عثر


ذاك يا أصحاب من      نبكي من                          فيه         للنشء       حياة                  وعبر


فلنخد   ذكر      فنان        مضى                          بعد     أن      خلد      فتان           الصور


أما في دار “فوز” فكان لرفاقه مأتم وأي مأتم، وبكاه شاعرهم مكاوي يعقوب بالدمع السخين، وتدفقت دموعه كلمات هكذا…


أبي   الله     بعد   البين   ان       تتلاقيا                 وان   تحظيا   بالود     الذي   كان    باقيا


تملك        قلبينا       فكان         علاقة                 على الدهر   تقوى   كلما   اشتد     عاتيا


وما كنت في   أرض   الكنانة       ناسياً                 وما   كنت   في   أرض   الجزيرة           ساليا


صبوت الي    مهد     الصبا      فبكيته                  أسى من   صميم القلب   يدمي    المآقيا


تناشدنا            أيامه              وعهوده                  وترسل      حبات      القلوب          اغانيا


ففي عز قلب شفه الوجد      والنوى                  يحن      لأم درمان         أسيان             باكيا


دوت    أنّة    منه    فكانت       مناحة                   على     عهدك     الماضي   تبذ        المراثيا


فيبكيك    من فرط    الثأر        فتية                   على     كمد    يرجون      عودك        ثانيا


وعدت ولكن بعد أن غالك    الضنى                   عليلاً    هزيلاً      تطلب    الموت     شافيا


فيا   لشباب هده    الموت     مسرعاً                     تساقط        في         ريعانه        متداعيا


هوى   نجمه   حتى   توسد      حفرة                     وقد    كان   يغشى صفحة الأرض زاهيا


وبعد مدة من الصمت، طالت في لحظاتها وفي معناها، أوشكنا أن ننسى ذواتنا فيها، عدنا من هذه الغيبوبة الصمتية، وبادرته بسؤال كان مضمونه، ألم يلتئم بعد سامركم في دار “فوز”؟ وأجاب الشيخ عن السؤال “بنعم”، حصل ذلك مرة ومرات ومرة بعد أن كدنا نعتقد بأن جرحنا قد شفى وبرأ والتأم، ولكنه كان دائماً معنا رفيقاً وكان فينا يغازل أحاسيسنا ويداعب شعورنا، وبصوته النافذ الجميل كان يناجينا..


    يا   جميل   يا   نور   الشقايق                               أملأ كأسك وأصبر   دقائق


مجلسك مفهوم شوفو رايق                عقده ناقص زول ولا تام؟


ولكن، كان العقد قد تناثر وتناثر وفقد واسطته وتفرقنا أيدي سبأ، هنا وهناك، وتبع الخليل من تبع، ولم يلحق به من لم يحن حينه، ولكنه بقي يجتر غصص الذكريات ومرها..


قلت في صيغة سؤال حنين عطوف، اذن، أين هي اليوم (فوز).. وقال رداً، وهو يتطلع الي الأفق البعيد، انها في حضن رجل كريم عطوف شهم، غفر لها الماضي، وكفل لها الحاضر ولم ينسى أن يؤمن لها القادم، وكان ردها لجميله بجميل أروع، فأخلصت له الود، فهي في حاضرنا كما قال ابن ابي ربيعة…


وأعجبها من عيشها ظل عرفة              وريان ملتف   الحدائق   أخضر


ووال كفاها   كل شيء    يهمها                              فليست لشيء آخر الليل تسهر


فلا لقاء ولا التقاء يجمعنا الا في هذه الخواطر المتناثرة بين الأحيان، لقد كانت بمثابة ملاوة من العمر، لم نضن فيها على ذواتنا ولا على بلادنا بما يطيب. وخبت شعلتنا وما بقي منها سوى رمق يومض وسط الأحايين ويصر علينا.. أنه رمق كما وصفه توفيق صالح جبريل…


      يقظة نفسية خمدت            هل سيحيا ذلك الرمق


(… ويحك!، من قال لك ذلك، ومن أنبأك بحالها وبخبرها، وأي شر مستطير شجعك لتنكأ جرحاً قديماً أبرأه الزمان؟ قال، قلت.. جميعنا كنا على علم بشأنها وعلى معرفة بها وبأمرها فهي لم تكن كالفتيات العابثات اللاعبات.. اشهد الله أنها كانت دنيا قائمة بذاتها، كانت جمالاً وكانت ذكاءً وكانت رقة وكانت عذوبة، ونعرف شديد المعرفة بأن دارها (دار فوز) كانت كملتقي النيلين، يلتقي فيها الأدباء والشعراء والفنانين… تشجي وتروي وتلهم!


كانت الدار عبارة عن حلقة من حلقات الذكر الفني والأدبي، ولكنها تعثرت قليلاً بفعل قلة الثقافة وبسبب فقدان التعليم، ولولا ما ذُكر من سبب، لكان شأنها شأناً آخر ولم يكن باليسير في تاريخ أدباءنا وفي سيرة فنانينا … وارتسمت على شفاهه ابتسامة ثم تحولت الي ضحك بقليل من القهقهة اعجاباً، وكأنما أطربه ثنائي على صاحبته، ولهنية صمت ليعود القهقري عابراً ببساط هذه اللحظات عشرات السنين الي الوراء، حيث كان هناك مسرح الصبا وفتنة الشباب، عندما كانوا يرسمون تلك الجلسات الحلوات الصاخبات في هذه الدار (دار فوز)! – هكذا كانوا ينعتونها – تلك الجلسات التي لم تبخل عليهم بالهامات الشعر والفن كأقصى ما يكون الكرم في ذاك الزمان.


فالتفت نحوي ليقول، ولكنها كانت فوق ما سمعت وفوق ما علمت وما تصورت وما تخيلت، كانت فوز تصنت للشعر وللنقاش الأدبي وتسمع هذا بفهم وتفهم الثاني بعمق، ولها في هذا وفي ذلك مشاركة ذكية بذكائها الفطري اللماح. وماذا لو زدناك جمالاً وطرحنا لك صورة كانت واقعية عشناها في جلساتنا التي كانت تحمل طابع اللهو وصورة السمر البريء، ولكنها أينعت ولكنها أثمرت أدباً وفناً وكمان هيأت نفوساً للعمل الجدي الصعب من أجل عيون هذا الوطن! وكان قوام جلساتنا تلك العذبة الخصبة شباب متوثب عاشق لوطنه، كان يلاوي الاستعمار ويكافحه مع غياب التوازن وغياب التكافؤ في زمن لا تدور أسطوانة الكلام عن الاستعمار الا همساً في الهمس.


قلت له، زدني زدني ولا تبخل على، فمن أجل ذلك أنا هنا لأنهل من معينك فقل قل ولا تحبس لسانك بين فكيك الغنيات.. فأصلح هو من جلسته، وأصبحت أنا كلي أذان صاغية..


وها نحن كلنا في عمق دارنا التي نسقت بأنامل فنان بارع صناع، وأي أنامل أبرع من أناملها في التزيين وفي التنسيق وفي التجميل. وهذه هي تطل علينا بوجهها الصبوح الضاحك كفلق الصباح وبفتنتها الطاغية تملأنا مرحاً وأنساً وحباً.


ألا تسمح لي بأن أقدم لك بعض الجالسين، ألا ترى ذلك الأسمر الفاره المنطلق الأسارير؟ انه بالحق كله فنان الجيل الملهم وكل الأجيال، انه خليل فرح… وهذان اللذان يقبعون بقربه يناوشانه، هما توفيق صالح جبريل ومحي الدين جمال أبو سيف. وقبل أن أسهو، أترى ذلك الشاب الذي يبدو كالحالم ويحمل في يده أوراق يدقق النظر فيها، فانه بلا شك الشاعر مكاوي يعقوب، أظنه يراجع في قصيدة من قصائده حتى يحررها ويدفع بها للنشر، وقريباً سنقرأ هذا الشعر الذي جعله يحترق وجعله يذوي في ديوانه المعروف باسم “آمال وآلام”.


ودائماً نجد “فوز” تعشق صوت “الفرح” وتتوق اليه، فتتوسل اليه بطريقتها بأدواتها من عينيها الساحرتين البلورتين عساه ينطق بشيء، انها لا تتكلم ولكن لغة العيون فيها من الحديث الكثير المثير، ولا يتأخر هو في الرد على لغة العيون فيجيبها بلغة العود والنغم، ويصيح عليه او به من بعيد محي الدين.. أرحنا بعبدة ابنة ابن أبي ربيعة.


وبالمناسبة يعتبر الخليل هو أول فنان سوداني يتعامل مع الشعر العربي ويقوم بتلحينه ويصدح به غناءً وأداءً، فيثري بذلك معيننا من الغناء والفن السوداني، ويتفجر صوت الفرح صافياً عذباً سلسبيلاً مع نغمات أوتار عوده..


أعبدة   ما ينسى   مودتك   القلب                        ولا هو يسليه رخاء ولا   كرب


ولا قول واش كاشح ذي      عداوة                       ولا بعد دار ان نأيت ولا قرب


وما ذاك من نعمى لديك   أصابها                        ولكن    حباً ما   يقاربه    حب


ويستعمرنا الطرب وتهيجنا النشوة فنستكثر الخليل ترديداً للأبيات واعادتها، وتندمج “فوز” وبدأت تنقر بأطراف أصابعها أو قل أناملها الرقيقات على الطاولة في تناغم مع اللحن فتثر بذلك موسيقى حلوة ساذجة بريئة ولكنها عميقة الأثر وعظيمة الأسر! ويسرى صوته نافذاً رائعاً، ومن بين أنامله على العود ينساب أمضاء أسحر من السحر وهو أخاذ، وهو يغني..


وعبدة بيضاء المحاجر طفلة                            منعمة تصبي الحليم وما تصبو


ويزورنا هاجس أهي، عبدة أم هي فوز؟ – حقاً رحم الله “الفرح” لكم أفرحنا ولكم أطربنا ولكم أشجانا ولكم أبكانا، آه!


ولست   بناس   يوم   قالت   لأربع            نواعم   غر   كلهن    لها    ترب


ألا ليت شعري فيم كان صدوده            أعلق أخرى؟ أم على به عتب!


وتظل تدور وتدور حولنا “فوز” تسقينا بعينيها شهداً وبيديها خمراً! ولا ينفك صوت محي الدين يعلو ليناوش الصحاب.. ألا أسمعكم أخريات ما ولدته بناة أفكار توفيق من أشعار ومن شعر؟ وكلنا في اللحظة نفسها نلتفت لمحي الدين مرهفي الاسماع، ولا ينسى محي الدين أن يعبث مع “فوز” وهي تتمايل بيننا في براءة.. تمهلي يا بضة! فانه ما استوحى شعره الا منك. وفي خبث بريء نضحك كلنا، وهي ترمق توفيق بنظرة شكر وعرفان وامتنان، وفي الأثناء ينشد محي الدين لتوفيق…


وتدير      الراح      غانية          حسنها كالبدر   متسق


حليها      نفس      مهذبة          وشباب      ريق      لبق


فاذا ما اسفرت سبحت          نحوها الأرواح تستبق


أو تغنت بيننا   خشعت           حولها الآذان والحدق


ونجوم   الليل     ذاهلة            كجفون هدها   الأرق


والله وتالله، ما انفكت ابصارنا تنزل منها وتظل قلوبنا تتشبث بها وحولها كلما اندلق الغناء وتدفق من ثغرها شهداً وخمراً، وكأنما كانت هذه المقطوعة التوفيقية كتاب مرسل اليها حصرياً طالباً منها التغني، وما عليها الا الاستجابة.


وكان أكثر ما اراحنا، وما كان الي قلوبنا حبيباً أن تتفضل علينا “فوز” بإسماعنا أغنية حديثة جديدة لخليل الفرح، يرسم فيها بريشته كيف كانت جلساتنا المرحة، ويحدثنا كيف وصل الينا ونحن في الدار، فالدار دارنا “دار فوز”، ولا يبطئ الفرح في احتضانه لعوده ليشتعل صوتها، صوت فوز، ويتناثر في مسامعنا حلواً صافياً، وهي تغازل اغنية الخليل بصوتها الغريد..


دير كؤوسك وأنشدنى باب                            حبيبي       زينة        الشباب


***


أسقينها   الصافية أم   حباب                       دق كأسي   وقل   لي   حباب


يومنا   صافي وخالي   الضباب                        يا نديم كيف مرح   الشباب


نحن جينا قصاد     الضباب                         بق   نور (الموردة) أم   عباب


ديك مشارع    (خولة ورباب)                         وديك بيوتن تحت الضباب


في محطة (شوقي)     العتاب                          قف قليلاً   نطوى   الكتاب


داك رسولن هدا   جانا تاب                           رب    هون    ليك      المتاب


ونندلع ضاحكين والخليل يصور في اغنيته الحديثة كيف تجاوز (بناية مركز أم درمان)، المكان الذي كان يسكنه البطش والجبروت، ممثلاً في الذئاب البشرية..


خبي كأسك ما ينوبنا ناب                           كل خشم المركز “ذئاب”؟


وتمضي في غناءها وفي شدوها، والخليل يقترب في قصيدته من دارها دارنا رويداً رويداً، حتى إذا بانت له، هتف بالتحية من كل أعماقه..


السلام       الحالي     ومذاب                    في   الثنايا   الغر    العذاب


يطفى نار الشوق والعذاب                      “فوز” قول أمين قلبي ذاب


مدت ايدها وقالت   حباب                      يا حباب اخوان    الشباب


ويفتخر (الفرح) بأصحابه الرفاق، الحافظين للسر وهم غائبين، ويأتون بالعجب الجميل وهم حاضرين وهم مجتمعين…


نحن صحبة   وأخوان   نجاب                    لي   دعانا     المولى   استجاب


ان مرقنا، السر في   الحجاب                     وان قعدنا اخوانك   عجاب


***


جدنا جملة وكنا   الغضاب                        خيرنا   عم    وبلغ   الهضاب


يا أم بنانا   زانوا   الخضاب                        ناولي كأسك حلو   الرضاب


وفجأة يصمت الشيخ نذراً قليلاً من الوقت، وبعدها يوشح المكان ببسمة تملأ كل وجهه وتحرض تجاعيده على الاجتماع، تلك التي رسمها الزمان، ثم يتذكر ليذكر لنا كيف كان أحدهم من الصحاب عندما يمتلئ فؤاده وعينيه بهذا الجمال وذلك الفن، حتى يستأذن “فوز” لتعد له مكاناً يصلى فيه صلاة العشاء، وكان يطيل في قراءته لآيات المصحف الشريف، ومتما فرغ من هذه العبادة، دخل علينا ليقول بأنه شكر الله كثيراً على هذه النعمة!


ومع تباشير خيوط الفجر نكون كما نحن أكثر نشاطاً، أجساماً وأذهاناً، ونفترق لنلتقي في الميعاد. وينفصل منا اثنان ونحن نعلم ما غايتهما، وهما توفيق صالح جبريل ومحي الدين جمال، اللذين يعتبران من دعائم جمعية الاتحاد السوداني السرية، وقد كانا دائبان في اعداد المنشورات التي تحض وتحرض على كراهية حكم المستعمر السائد البغيض، وكانا مع آخرين، يعملان على الصاق تلك المنشورات عند الغسق في انحاء متعددة وكثيرة في المدينة.


ومع شروق الشمس يتردد على مسامعنا أن الشرطة قد عثرت على منشورات وعلى ملصقات فانتزعتها وتسعى في البحث عن مصادرها. فنضحك تندراً، فقد رعينا السر في حصن مكين وفي حجاب أمكن، ويهمس صوتها في مسامعنا من الأعماق يترنم ويغني..


نحن صحبة واخوان   نجاب


لي   دعانا    المولى    استجاب


ان مرقنا السر في   الحجاب


وان قعدنا اخوانك عجاب!


ونعتزل الكلام عن الشعر حيناً، ونسلط أضواء ابصارنا في الخليل ومعه فوز، وبسحر نظرتها تتناول “فوز” العود وتقدمه بحنو ظاهر للخليل، وتخشع فينا القلوب وفينا الأبصار، أو كما كان يردد توفيق، ويسمو بنا الفرح بعيداً عن هذا العالم الفاني.


وتتميز أغنيات الخليل دائماً بشيء جديد، وجديد جداً، فهي تتفرد بتلك المعاني الرقاق وبذلك التصوير البارع، وألفاظها منتقاة بإتقان وملائمة تساعده في كل ذلك ذخيرته اللغوية، فقد كان يتفرد بكثرة الاطلاع وخاصة على الشعر العربي.


ونصر عليها أن تغنينا للفرح، بلى جسمي، وهي واحدة من أروع روائعه، ومع الحاحنا ينبثق من وجهها الناعم ابتسامة مضيئة، وكأنها تعلن بكل ثقة، أن كل شعر وكل لحن انما استمد وحيه منها، ويجرى صوتها الصافي والفرح يصاحبها بأنغام وبترنيمات عوده…


بلى جسمي وفتك جفاك      يا     حبيبي      أما       كفاك


أيها   الظبي   في   صفاك       يا   أخا   البدر   في   صفاك


انا   راض   بحكم   فاك        انا      باق       على       وفاك


***


قل لي بالله ايه   خفاك         قل، وعلم      عتابي    فاك!


المعذب   بنار    جفاك          فهو    قلبي الذي اصطفاك


***


بالذي    بالذي   براك           وبرى      الغصن      والاراك


لم   خلفتني        وراك           أترى       بعد     ذا        اراك


***


شفنى    شفنى    هواك         وكوى        مهجتي        نواك


هو من ذا الذي غواك          عن   وصالي؟   اذن سواك؟


***


أنت كالبدر في     علاك         انت   كالروض   في     حلاك


أنت كالطفل في   ولاك         انت       للعالمين         هلاك


وفشل محدثي الشيخ في السيطرة على نفسه، وهب واقفاً وهو يردد في كل مقطع من مقاطع الأغنية بصوته ذاك الأجش العميق وهو يذرع الغرفة جيئةً وذهاباً، واغرورقت عيناه وفاضت دمعاً عزيزاً خجولا! لم يحس بحضوري ولا بوجودي، وظن ان الزمان دار دورته وعاد الي الوراء عندما كان يستمع اليها بصوتها الصافي الجذاب وهي تردد على مسامعهم الحان الفرح في متعة وفي نشوة. وما كان على الا أن أتركه يعيش في دنيا ذكرياته، يردد في ابيات الأغنية ما حلا له أن يردد وهو يترنح في مشيته كالسكران ولا كأس.


وهو يغرق في دنيا ذكرياته، فأجاني محدثي كاشفاً عن سر عظيم، حيث قال، هل لك أي معلومة تقول بأن خليل الفرح صاغ وألف شعراً باللغة العربية الفصحى فأجاد فيه، ايما اجادة، وقام بإهداء قصيدة وطنية لعبيد في عمر ذلك الزمان، وأنا ما زلت احفظ أغلبها عن ظهر قلب حتى لحظتنا الماثلة. قلت، فاسمعني اذن ولا تتأخر، وفاض نبعه انشاداً…


وقف عليك وأن   نايت       فؤادي                       سيان   قربي     في    الهوى   وبعادي


يا دار   عاتكتي    ومهد       صبابتي                       ومثار     أهوائي       وأصل   رشادي


كم في سمائك للنبوغ وفي        ثرى                       واديك    كم          للعبقرية     وادي


لك كالطبيعة في الخمائل     روعة                       وعليك من سحب الجلال    هوادي


ايه   فديتك   يا     بلادي        ألقي                       من   حاضر   بين   القلوب    وبادي


فعلى   كلا الحالين نحن       ودائع                       كودائع   لك    في   السحاب غوادي


رعيا   لآباء   قضوا شوقاً         وما                        خفيت   عليهم   منك    بيض أيادي


وافى   الربيع وفي ربوعك         فتية                       كانوا      بطلعتهم     ربيع       النادي


زهر   كأن   وجوههم   من     نبلها                         زهر     الكواكب   للعيون       بوادي


أبناء   يعرب حيث مجد      ربيعة                         وبنو   الجزيرة   حيث     بيت     أياد


متشابهون لدى العراك       كأنما                         نبتت       رماحهم     مع       الأجساد


ماذا   يقول   المرجفون        وكلنا                         في      الله     والأوطان     أهل   جهاد


أصحاب   مائدة وأسرة       منزل                          ونتاج      بادية        وفتية       وادي!


هذى   ديارهم   وتلك      ربوعهم                         فسقى ثرى   واديك   صوب     عهاد


قلت والله انه لشعر رصين جميل، ولقد عرفت الآن لماذا سمت وتسمو أغانيه عن ذلك المستوى المعروف بدرجات ودرجات، وكان السر وراء ذلك هو ثقافته العربية التي كانت بالنسبة له المعين الثرى، الذي اغناه بذلك السمو والعلو على أقرانه في هذا المجال.


قال فعلاً، ألا تلحظ أن أغانيه ما زالت حية وتحيا بيننا اليوم وستعيش بعدنا كما هي ساحرة رائعة، تجد فيها الأجيال أصداء صادقة لما يعتمل في دواخلهم من أحاسيس ومن مشاعر. لقد فتنا كثيراً في أيامنا وفي عهدنا بقصيدته الرمزية العظيمة “عزة في هواك”، ولم تكن عزة شيء آخر ولكنها كانت حبيبته الوطن، كانت بلاده، ماضيه وحاضره ومستقبله، التي أحبها وهام بها وفتن بها. وما زالت تلك الأغنية شابة تتناقل بين كل الشفاه، لم تتغير وكأنها بنت اليوم… وفي مقعده غاص، وأطلق صوته الأجش مغنياً بعزة في هواك…


عزة   في   هواك   نحن    الجبال              لي البخوض   صفاك   نحن   النبال


  ***


عزة   ما     بنوم     الليل   محال                              أحسب    النجوم     فوق      الرحال


أخلق الزاد كمل أنا حالي   حال                               متين أعود   أشوف ظبياتنا الكحال


 ***


عزة   ما   سليت وطن    الجمال              ولا    ابتغيت    بديل    غير    الكمال


وقلبي   لي   سواك ما شفته مال              خذيني   باليمين    أنا   راقد   شمال!


  ***


عزة   في الفؤاد سحرك   حلال                ونار    هواك     شفا     وتيهك    دلال


ودمعى في هواك حلو    كالزلال                               تزيدي كل يوم عظمة   أزداد   جلال


 ***


عزة   جسمي صار زي   الخلال                               وحظي   في   الركاب   صابو   الكلال


وقلبي   لسه    ما عرف    الملال                اظنه   ود   قبيل    وكريم     الخلال


 ***


عزة   ما   نسيت   جنة      بلال                وملعب    الشباب    تحت    الظلال


ونحن   كالزهور   فوق   التلال                نشابي   للنجوم   وأنا ضافر الهلال!


 ***


عزة شفت كيف نهضوا العيال                               وجددوا   القديم   صرفوا   الخيال


روحك ام سماح سرى كالسيال              شجي   الفؤاد   وحيا   مسود الليال


 ***


عزة ما اشتهيت نوم     الحجال                               ولا   السوار   بكى   وفي يمينه جال


وعزة في الفريق لي ضيق مجال                قبيلة بت قبيل   ملأ الكون   رجال


 ***


عزة في   حزا   الخرطوم   قبال                وعزة   في   جنان   شمبات    حبال


وعزة   في   ربوع   أم در   جبال                 وعزة في الفؤاد دوى يشفي الوبال


 ***


وقفز منتصباً وهو يبحلق في وجهي ومردداً بانفعال، لو كنت محظوظاً وسمعتها معنا في ذاك العهد من “فوز” لطار لبك شعاعاً. ولم أجد ما أرد به عليه سوى ابتسامة، فابتسمت وأنا الملم أوراقي المبعثرة وأناوشه، قائلاً.. ولكنني الحظ بان لبك ما زال باقياً في مكانه ولم يطر بعد، وانت قد سمعتها منها مراراً ومراراً! وأسرعت في خطواتي بعيداً قبل أن ينالني بسوء!


وحكى الشيخ قائلاً.. جاءني في يوم من أيام الله السبعة خليل الفرح، وكلمني وهو يحاول عبثاً إخفاء ابتسامة حائرة منقوشة على صفحة وجهه، سأقدم لك الدعوة الي ليلة حمراء في عرين الأسد، وحاولت أفهم ولكنني فهمت انني لم أفهم ماذا كان يقصد الي أن تفضل على هو وقص لي الحكاية.


كان الشعور الوطني في قمته ملتهباً في تلك الأيام، ونشطت جمعية أو حركة اللواء الأبيض في عملها وفي أعمالها فشرعت في اخراج مواكبها التي تتظاهر هاتفة بسقوط الاستعمار، وتهتف بحياة وادي النيل. وكان أن تناثرت وانتشرت الأغاني الوطنية يميناً وشمالاً، هنا وهناك، تذكي حماس الجماهير، وتثير فيهم العواطف والأشجان الثائرة، وكانت (للفرح) أغنيات وأغنيات وطنية كثيرة، شاع أمرها وذاع صيتها، ومنها…


نحن   ونحن   الشرف   الباذخ


دابي     الكر     شباب     النيل


وبلغ النبأ، خبر أغنيتنا العزيزة وسلطانها، (قلم المخابرات)، والذي لم تبخل عيونه الموزعة والمبثوثة في كل ركن وفي كل ناحية بإحصاء كل نأمة وكل نفس عدداً، وكان على راس القلم آنذاك، إضافة للإنجليز، نخبة من السوريين تفردوا بالدهاء ولكن أيضاً بالطيبة تميزوا، وعلى قمتهم كان صمويل عطية.


وفي يوم ما، جاء الي الخليل أمراً بزيارة السيد صمويل عطية، وهرول الخليل الي تلبية الطلب، وهل كان بإمكانه التخلف وعدم تلبية الدعوة الملغومة؟! وقابل ذلك الرجل في مكتبه، فتفرس الرجل في صديقنا جيداً برهة من الزمن ثم حياه وأمره بالجلوس على كرسي بالقرب منه فأطاع، ثم فاجأه بدون ترتيبات ولا مقدمات، وقال له، أنا لي رغبة في سماع أغنيتك المشهورة.. (نحن ونحن الشرف الباذخ).


قالها الرجل وهو ما زال يحدق جاحظاً مبحلقاً في وجه صاحبنا يعد ويحصى عليه كل خلجة أو كل حركة وكل انتفاضة، وفهم صاحبنا سريعاً حقيقة الموقف وسره. لقد انتشرت الأغنية ووصلت الي الرجل الأول في المخابرات، وما هذا اللقاء الا عبارة عن استجواب ليتأكد الرجل مما سمع.


ولكن ظل الخليل كالجبل لم يضطرب ولم يهتز، بل كانت اجابته تسري في هدوء وفي اطمئنان، (ان المكاتب، يا سيدي، لا تصلح للغناء، ثم ان عودي ليس معي وقد تعودت الا أغني بدونه، فان شئت ضربنا موعداً، حيث تريد لأسمعك ما ترغب في سماعه من أغاني).


وتفاجأ رجل المخابرات بهذه الإجابة، التي لم يكن مستعداً أو مهيأ لسماعها، وتأكد له بأنه أمام عملاق كبير، واتفقا على الموعد الأكيد، وكان مكانه هو دار صمويل عطية. وكان هذا سر دعوة الخليل لي الي عرين الأسد، وذهبنا وكان الاستقبال الذي حظينا به حاراً وكريماً وجميلاً، وقد دعا بعض أصحابه الشرقيين ليرهفوا السمع لهذا الفنان السوداني العبقري، وكانت المائدة سخية فيها كل ما لذ وما طاب.


ولا أحب أن اصرفك طويلاً عما حدث في ليلتنا الحمراء، فقد غني الخليل وكما لم يغني من قبل، غنانا غناءً شجياً رائعاً وتمايل القوم طرباً وسيطرت عليهم النشوة، وكرروا طلبهم مراراً للاستماع لعمر بن أبي ربيعة (أعبدة ما ينسى مودتك القلب)، حتى إذا بلغت النشوة مبلغاً، ارتاح الخليل اطمئناناً، وسوى عوده، وأعطي التفاتة نحو صمويل، وقال له، هذه بغيتك ومناك، ولعلع صوته قوياً وكأن مصدره اتي من عالم آخر، فكان اخاذاً وكان قوياً وكان ساحراً، وهو يتغنى…


نحن       ونحن     الشرف       الباذخ


دابي         الكر        شباب         النيل


***


نحن     الصولة    ونحن       الدولة


نحن        برانا    نحمي           حمانا


نحن       نموت    ويحيا          النيل


***


يا       نزلانا      امرقوا            الزمة


كيف      ينطاق   هوان       الأمة؟


زُّروا   حلوقنا، وشالوا      حقوقنا


ديل      عايزين   دمانا        تسيل!


ما   فيش تاني، مصري     سوداني


نحن         الكل      ولاد         النيل


وتفجرت أنا بمهمة (الكورس) فقد اصابتني عدوة شجاعة صاحبي، والأروع من ذلك والأدهى من ذلك أن شاركني في مهمة الكورس بعض من الضيوف، الذين بان فيهم الاعجاب بما كانوا يسمعون وبما كانوا يرون.


وتناثرنا مع انتصاف الليل أو زد عليه قليلا، وما كان من صمويل الا أن شد بكلتا يديه على يدي “الفرح” مثنياً ومعجباً ومندهشاً. ومات الي الأبد التحقيق ولغة “سين وجيم” عن منبع الأغنية في تلك الليلة. ولعل الصمويل قد أعجب بمبدعنا المقدام، ايما اعجاب، فضن به على الانجليز.

Comments